علاقة الميكروبيوم المعوي باضطراب طيف التوحد

في السنوات الأخيرة، ازداد الاهتمام العلمي بدراسة العلاقة بين الجهاز الهضمي والدماغ، خاصة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD). ويعود هذا الاهتمام إلى الملاحظة المتكررة بأن نسبة كبيرة من المصابين بالتوحد يعانون من مشكلات هضمية مزمنة، مثل الإمساك أو الإسهال أو آلام البطن، إضافة إلى اختلافات في نمط التغذية والسلوك الغذائي.

هذا التداخل بين الأعراض العصبية والهضمية دفع الباحثين إلى دراسة دور الميكروبيوم المعوي، أي مجموعة البكتيريا والكائنات الدقيقة التي تعيش في الأمعاء، ومحاولة فهم ما إذا كان لها دور في التوحد أو في بعض أعراضه المصاحبة.

في هذا المقال، نستعرض ملخصًا علميًا مبسطًا لمراجعة بحثية نُشرت عام 2022، تناولت دور الميكروبيوم المعوي في اضطراب طيف التوحد، وإمكانية تنظيمه كمدخل علاجي مستقبلي.


ما هو الميكروبيوم المعوي ولماذا هو مهم؟

الميكروبيوم المعوي هو نظام بيئي معقد يضم تريليونات من الكائنات الدقيقة، تشمل البكتيريا والفيروسات والفطريات. هذا النظام لا يقتصر دوره على الهضم فقط، بل يساهم في تنظيم الجهاز المناعي، حماية بطانة الأمعاء، والمشاركة في إنتاج مواد كيميائية تؤثر على وظائف الدماغ والجهاز العصبي.

خلال مراحل النمو المبكرة، يتشكل الميكروبيوم تحت تأثير عوامل متعددة، مثل طريقة الولادة (طبيعية أو قيصرية)، الرضاعة الطبيعية، استخدام المضادات الحيوية، والنظام الغذائي. أي خلل في هذا التوازن قد يؤثر على وظائف الجسم المختلفة.


محور الأمعاء–الدماغ: كيف تتواصل الأمعاء مع الدماغ؟

تشير الأبحاث الحديثة إلى وجود تواصل ثنائي الاتجاه بين الأمعاء والدماغ، يُعرف باسم محور الأمعاء–الدماغ. يتم هذا التواصل عبر عدة مسارات، منها الجهاز العصبي (وخاصة العصب المبهم)، والجهاز المناعي، إضافة إلى مواد كيميائية تنتجها بكتيريا الأمعاء.

هذا المحور يفسر كيف يمكن لاضطرابات الأمعاء أن تؤثر على المزاج، السلوك، والانتباه، وكيف يمكن للتوتر والضغوط العصبية أن تنعكس بدورها على الجهاز الهضمي.

 

شكل توضيحي لمحور الأمعاء–الدماغ يوضح الاتصال ثنائي الاتجاه بين الجهاز العصبي المركزي (CNS) والجهاز العصبي المعوي (ENS) عبر العصب المبهم، ودور النواقل العصبية والمستقلبات البكتيرية مثل الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (SCFA).
المصدر: Taniya وآخرون، 2022 – Frontiers in Cellular and Infection Microbiology.


الميكروبيوم المعوي واضطراب طيف التوحد

تستعرض المراجعة البحثية عددًا كبيرًا من الدراسات التي قارنت بين تركيبة الميكروبيوم لدى أشخاص مصابين بالتوحد وآخرين غير مصابين. وتشير النتائج إلى وجود اختلافات في أنواع ونِسَب بعض البكتيريا، إضافة إلى انخفاض التنوع البكتيري لدى بعض المصابين بالتوحد.

كما تشير الأبحاث إلى أن عوامل بيئية مبكرة، مثل الاستخدام المتكرر للمضادات الحيوية أو الأنماط الغذائية المحدودة، قد تؤثر على تكوين الميكروبيوم، مما قد ينعكس على صحة الأمعاء والجهاز العصبي.

ومع ذلك، تؤكد الدراسة أن هذه النتائج تُظهر ارتباطًا وليس سببية، أي أنه لا يمكن الجزم بأن اضطراب الميكروبيوم هو سبب التوحد، أو أن التوحد نفسه قد يكون هو العامل المؤثر في تغيّر الميكروبيوم.


نواتج بكتيريا الأمعاء وتأثيرها المحتمل

تنتج بكتيريا الأمعاء مواد تُعرف بالمستقلبات، من أبرزها الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، مثل البيوتيرات والبروبيونات. تلعب هذه المواد دورًا في دعم صحة الأمعاء وتنظيم الالتهاب والتأثير على الإشارات العصبية.

تشير بعض الدراسات إلى أن زيادة أو نقص بعض هذه المركبات قد يرتبط بتغيرات في السلوك أو الوظائف العصبية، لكن معظم هذه النتائج ما زالت مستمدة من دراسات حيوانية أو دراسات بشرية محدودة، ولا تسمح باستخلاص نتائج علاجية مؤكدة.


هل يمكن تنظيم الميكروبيوم كعلاج للتوحد؟

تناقش المراجعة عدة محاولات بحثية تهدف إلى تعديل الميكروبيوم المعوي، مثل تغيير النظام الغذائي، استخدام البروبيوتيك والبريبايوتكس، أو حتى زرع البراز في ظروف طبية محددة.

وقد أظهرت بعض الدراسات الصغيرة تحسنًا في الأعراض الهضمية لدى بعض الأطفال المصابين بالتوحد، إلا أن الأدلة المتعلقة بتحسن الأعراض الأساسية للتوحد، مثل التواصل والسلوك، لا تزال محدودة وغير حاسمة. كما أن بعض هذه التدخلات قد تحمل مخاطر صحية، ولا تُعد علاجات معتمدة للتوحد في الوقت الحالي.


حدود البحث العلمي والحاجة إلى الحذر

تشدد الدراسة على أهمية الحذر عند تفسير نتائج الأبحاث في هذا المجال، نظرًا لأن:

  • معظم الدراسات ذات عينات صغيرة

  • هناك تباين كبير بين الأفراد المصابين بالتوحد

  • من الصعب فصل السبب عن النتيجة في العلاقة بين التوحد والميكروبيوم

كما تحذر من الانجراف وراء العلاجات غير المثبتة علميًا أو ما يُعرف بـ “العلاجات المعجزة”.


الخلاصة

تشير الأدلة العلمية الحالية إلى وجود علاقة معقدة بين الميكروبيوم المعوي واضطراب طيف التوحد، خاصة فيما يتعلق بالأعراض الهضمية، والجهاز المناعي، ومحور الأمعاء–الدماغ. ومع أن هذا المجال البحثي واعد، إلا أن المعرفة الحالية لا تدعم اعتبار تعديل الميكروبيوم علاجًا للتوحد.

يبقى الاعتماد على التقييم الطبي الفردي، والتدخلات السلوكية والتعليمية المثبتة علميًا، هو الأساس في دعم الأشخاص المصابين بالتوحد وأسرهم، مع متابعة التطورات البحثية المستقبلية بحذر ووعي.


المراجع

Taniya MA, Chung HJ, Al Mamun A, et al.
Role of Gut Microbiome in Autism Spectrum Disorder and Its Therapeutic Regulation.
Frontiers in Cellular and Infection Microbiology. 2022;12:915701.
DOI: 10.3389/fcimb.2022.915701
PMID: 35937689
PMCID: PMC9355470

❤️ شارك المقال لتعم الفائدة:

فيسبوك
واتساب
تيليغرام
منصة إكس

مقالات ذات صلة